محمد أبو زهرة

24

المعجزة الكبرى القرآن

وثانيها : لأنه من كتبة الوحي الملازمين ، لا الذين كتبوا مرة أو مرتين وأخذوا لقب كاتب الوحي شرفا . وثالثها : أنه ممن حفظوا القرآن وجمعوه في صدورهم ، فكان حقيقا أن يجمعه مسطورا بعد أن جمعه محفوظا . ورابعها : أنه عرض القرآن على النبي صلى اللّه عليه وسلم في السنة التي انتقل فيها النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كما قدمنا . 11 - حمل زيد ما هو أشد حملا من الجبال ؛ لأنه يحمل أثقل موازين الهداية في هذا الوجود الإنسانى ، وهو وديعة اللّه تعالى إلى الوجود الإنسانى إلى أن تزول السماوات والأرض . وما كان لمن يحمل مثل هذا الحمل أن ينفرد بالعبء فقد استعان بالحفظة الكرام من صحابة النبي صلى اللّه عليه وسلم الأعلام ، وسلك في سبيل الجمع الخطة المثلى ، فما كان ليعتمد على حفظه ، وإنه لحافظ ، ولا على حفظ من استعان بهم ، وإنهم لحفاظ أمناء ، ولكنه كان لا بد أن يعتمد على أمر مادي ، يرى بالحس لا يحفظ بالقلب وحده ، فكان لا بد أن يرى ما حفظه مكتوبا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يشهد شاهدان بأنهما هكذا رأوا ذلك المكتوب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم وبإملائه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد تتبع القرآن بذلك آية آية ، لا يكتب إلا ما رآه مكتوبا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في عهده ، ويشهد شاهدان أنهما هكذا رأيا ذلك المكتوب في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ونقلاه ، أو يرى ذلك المكتوب عند اثنين ، فهو شهادة كاملة منهما ، وقد حصل على القرآن كله مكتوبا بنصاب الشهادة في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم فما كان إلا أن نقل المكتوب في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكنه وجد آيتين لم يشهد اثنان بأنهما كتبتا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم بل شهد واحد فقط ، وهو خزيمة بن ثابت الأنصاري وهو قوله تعالى : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ التوبة : 128 ، 129 ] ، لم يجدهما إلا عند خزيمة ، وقد قال له النبي صلى اللّه عليه وسلم تكريما له : « شهادتك باثنين » . وروى أنه لم يجد آية أخرى إلا عند خزيمة ، وهي قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا . [ الأحزاب : 23 ] هذا هو المسلك الذي سلكه المؤمن الحافظ الذي اختاره أبو بكر لحمل التبعة مع من اختاره . ولنترك الكلمة له ، أي لزيد فهو يشير إلى ما سلكه فهو يقول فيما رواه البخاري : « قمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ،